الدين الهَلاوي (العلوي) هو إمتداد للديانة اليَزدانية (المثرائية)

د. مهدي كاكه يي
قديماً، كان يُطلق على العلويين إسم (النصيرية) نسبة الى مُجدّد الدين العلوي، محمد بن نصير الذي عاش حوالي سنة 850 ميلادية. ولِد محمد بن نصير في البصرة وقضى معظم حياته في بغداد وكانت مدينة سامراء مركزاً لنشاطاته الدينية. يذكر البعض بأنه من أصل فارسي، إلا أن كوردية الديانة العلوية تٌرجّح كونه كوردياً، حيث أن الغالبية العظمى من المؤرخين العرب يُرجعون أصول الشخصيات الكوردية الى الفرس.
ظلت تسمية (النصيرية) تُطلق على العلويين الى أن تمّ إطلاق إسم (العلويون) عليهم من قِبل الأتراك في زمن الإمبراطورية العثمانية، حيث يذكر البروفيسور جمال نبز في كتابه المعنون “المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994″، بأن أصل كلمة “علوي” يعود الى الكلمة الكوردية (هَلاڤ HALLAV) التي تعني بالكوردية (بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة) وكذلك (لظى النار) نفسها. الأتراك أخذوا هذه الكلمة الكوردية وأضافوها الى لغتهم وحوّروها الى (ALEV) والتي تعطي نفس المعنى. هكذا أطلق الأتراك في زمن الإمبرطورية العثمانية إسم (ALEVî) على هذا الدين والذي تمّ تحويره من قِبل العرب الى (علوي). كلمة (هَلاڤ) لها علاقة بالنار التي هي مقدسة في المثرائية المتجسدة في الديانة اليزدانية والتي الديانة العلوية هي فرع لها. مما سبق نستنتج بأن إسم الدين العلوي هو إسم كوردي خالص وليس له أية علاقة بِعلي بن أبي طالب، بل مرتبط بالنار المقدسة عند اليزدانيين.
بسبب عدم تعمّق الكثير من الباحثين والمؤرخين في الأديان القديمة، فأن “دراساتهم” سطحية، عاجزة عن الوصول الى الحقائق. على سبيل المثال، فأن الغالبية العظمى منهم يعتبرون (محمد بن نصير) هو مؤسس الدين أو “المذهب” العلوي، دون أن يدركوا بأن الدين العلوي، مثل سواه من الأديان الآرية القديمة، يتمّ تجديده بإستمرار وفي كل مرة يتقمص الإله في شخص ما ويقوم هذا الشخص بِتجديد الدين. في الدين العلوي، فأنّ (محمد بن نصير) إمتلك الذات الإلهية وقام بتجديد الدين العلوي وفقاً لظروف ذلك الزمن، بينما في الدين اليارساني قام (سان سهاك) بِآخر تجديد لهذا الدين.
إن جميع الكُتب والدراسات التي يدّعي فيها أصحابها بأن العلويين هم طائفة إسلامية، هي عبارة عن “دراسات” غير موضوعية ومنحازة. إنحياز وعدم تمسك القائمين بهذه الدراسات بالمهنية البحثية ناتج عن أربع أسباب رئيسة:
1. قسم من الدارسين لجذور المعتقد العلوي يميلون الى الفكر الإسلامي ومنحازون الى هذا الفكر، لذلك يحاولون تزييف الحقائق وفرض الهوية الإسلامية على العلويين.
2. قسمٌ ثانٍ من الدارسين يحملون الفكر العروبي ويلجأون الى كل الطرق الملتوية ليُثبتوا إسلام العلويين، حيث أن الإسلام والعروبة وجهان لعُملة واحدة. كما أن الهوية الإيزدية تتعرض أيضاً للتزوير من قِبل الكُتّاب الإسلاميين والعروبيين ويحاولون بمختلف الوسائل أن يُرجعوا أصلهم الى يزيد بن معاوية، أي بكلام آخر يحاولون أسلمتهم وتعريبهم.
لو ندرس تأريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط الكبير لَنكتشف بأن الغالبية العظمى من السوريين واللبنانيين وغيرهم من شعوب المنطقة، هم مستعربون وليسوا عرباً، حيث أنهم من أصول كلدانية وآشورية وسريانية وأرمنية وكوردية. السكان في مصر هم من الأقباط وسكان السودان نوبيون و سكان شمال أفريقيا هم أمازيغ، حيث فرض العروبيون إسم “المغرب العربي” على بلاد (ثامزغا).
3. القسم الثالث من الباحثين يقومون بدراسة مجاميع علوية في سوريا التي أسلمتْ و أصبحت مسلمة وإنسلخت عن العلويين. نتيجة الغزو الإسلامي العربي للمنطقة وكَون الإسلام ديناً شمولياً غير متسامح مع الأديان والمعتقدات الأخرى ووقوع المنطقة تحت حكم عربي إسلامي لأكثر من 1400 سنة، فأن أعداداً كبيرة من العلويين و غيرهم من أصحاب الديانات غير الإسلامية أُجبِروا على ترك دياناتهم القديمة وإعتناق الدين الإسلامي، أو إضطروا أن يعتنقوا الإسلام.
خلال وقوع أصحاب الديانات غير الإسلامية تحت الحكم العربي الإسلامي والممتدة لأكثر من 1400 سنة، فقدت الديانات القديمة في المنطقة الكثير من معالم هوياتها ومعتقداتها وطقوسها وأُدخلت إليها معتقدات وطقوس إسلامية لِتلافي القتل والسبي أو دفع الجزية والتخلص من الإرهاب والتهديدات والإهانات والضغوط المفروضة على معتنقي االديانات غير الإسلامية من جانب المسلمين. نرى في سوريا، على سبيل المثال، بأن بشار الأسد العلوي يذهب للصلاة في أحد الجوامع خلال الأعياد الإسلامية. بشار الأسد ينتمي الى الشريحة العلوية المنسلخة عن العقيدة العلوية، حيث أن الدين العلوي لا يؤمن بالشهادة الإسلامية (أشهد ان لا إله الا الله محمد رسول الله) ولا يصوم العلويون شهر رمضان ولا يصلّون ولا يؤدون فريضة الحج في مكة ولا يقومون بدفع الزكاة، أي أن الأركان الخمس للإسلام لا وجود لها في الدين العلوي، بل أن العلويين يقدمون النذور ويصومون لمدة ثلاث أيام في السنة في منتصف الشتاء الذي يُصادف ميلاد ميترا (ميثرا) وهذا أحد الأدلة على أن الدين العلوي هو إمتداد للديانة الآرية (المثرائية واليزدانية). من الجدير بالذكر أن الپروفيسور عزالدين مصطفى رسول، نقلاً عن (جميل الاسد) شقيق الرئيس السوري الراحل (حافظ الاسد)، يقول بأن عائلة الأسد هي عائلة كوردية كاكائية من مدينة خانقين الواقعة في إقليم جنوب كوردستان التي هاجرت من هذه المدينة الى سوريا (يمكن مشاهدة المقابلة التلفزيونية مع الدكتور عزالدين حول الموضوع من خلال رابط الفيديو الموجود في نهاية هذا المقال). كما أن إيمان العلويين بِتناسخ الأرواح هو إثبات جازم لإنتمائهم الى الأديان القديمة في منطقة غرب آسيا وهذا الإعتقاد نجده عند الهندوس والبوذيين والإيزديين والدروز واليارسانيين وغيرهم من أتباع الديانات القديمة في المنطقة. إذن دراسات هذه المجموعة من الباحثين هي عن “العلويين” الذين هجروا دينهم وإعتنقوا الإسلام، لذلك لا يمكن تصنيف هذه الدراسات ضمن الدراسات العلوية. من جهة أخرى نجد أن العلويين في شمال كوردستان و في تركيا لا يزالون يحتفظون بالكثير من معتقداتهم وطقوسهم الدينية.
4. المجموعة الرابعة تضم باحثين علويين، يدّعون في “دراساتهم” بأنهم مسلمون، كوسيلة لحماية العلويين من القتل والإضطهاد والتهديد والإرهاب والمضايقة أو أن هؤلاء من الشريحة العلوية المنفصمة عن العقيدة العلوية و الشاعرة بالدونية، ولذلك يحاولون بكل الوسائل أن يجعلوا من العلويين طائفة إسلامية.
الديانة العلوية هي من الأديان اليزدانية الآرية ولا تمتّ بأية صلة بالدين الإسلامي وأن إدخال بعض الرموز الإسلامية فيها هو للحفاظ على هذا الدين وعلى أرواح معتنقيها. هنا أذكر خمس أدلة على كون الدين العلوي هو من فرع من فروع الديانة المثرائية:
1. معتنقو الديانة العلوية والدروزية يؤمنون بتناسخ الأرواح وهذا كفر في الدين الإسلامي. هكذا فأن العلويين والدروز يلتقون في هذا الإعتقاد مع بقية فروع الديانة المثرائية، كالديانة الإيزدية واليارسانية والهندوسية والبوذية والشبكية. الإيمان بتناسخ الأرواح دليل جازم بأن العلوية والدروزية هما فرعان من فروع المثرائية ولا تربطهم أية صلة بالإسلام.
2. إسم الطبقة الدينية العليا للعلويين والدروز واليارسانيين والإيزديين هو (پیر PÎR) وهي كلمة كوردية خالصة والتي تعني (شيخ، عجوز، شخص كبير العمر) وهنا تعني (شخص محترم). هذا يشير بوضوح الى أن هذه الأديان لها أصل واحد وهو المثرائية وكذلك أن هذه الأديان بما فيها الديانة الدروزية والعلوية ذات أصل كوردي.
3. إسم المعبد في الديانة العلوية يُسمى (جَمَڤي CEMEVÎ) و في الديانة اليارسانية يُسمّى “جَمخانه CEMXANE” وكلاهما يعنيان (محل التجمّع)، حيث يتم الإجتماع في المعبد ويتم تقديم النذور وأداء الطقوس الدينية فيه. كلمة “جَم” هي كلمة كوردية قديمة وحتى أن عاصمة الإمبراطورية الميدية كان إسمها (جَمَزان) والتي تعني (ملتقى الطرق). هذا يعني كوردية أصل الدين العلوي. الكلمة العربية (جمع) و مشتقاتها مثل (جماعة، جمعة، تجمّع، جِماع، إجماع، ، إجتماع، جموع، مجموع… الخ) مأخوذة من الكلمة الكوردية “جَم”.
4. يقوم العلويون بتقديم النذور بصورة مأكولات مطبوخة و فواكه في إجتماعات دينية خاصة، حيث يترأسها ال(پير) وبمشاركة مساعديه وآخرين وأداء مراسيم خاصة وقراءة أدعية دينية خاصة بهذه المناسبة. هذه الإجتماعات الدينية والمراسيم تتطابق مع ما لدى اليارسانيين (الكاكائيين).
5. موطن العلويين هي كوردستان، حيث يقطن معظمهم في المنطقة المحصورة بين سلسلة الجبال الممتدة من عكار جنوباً إلى جبال طوروس شمالاً، ويتوزع بعضهم في ريف حماة وحمص، ولواء اسكندرون وقيليقية. نرى أن أكثريتهم لا يزالون يعيشون في موطنهم الأصلي، كوردستان. (“عكار” هي إحدى المحافظات اللبنانية والتي تقع بِمحاذاة الحدود السورية الشمالية).
الديانة العلوية و الإيزدية و الدروزية و اليارسانية (الكاكائية) والشبك تكاد تكون ديانة واحدة، حيث أنها متشابهة في العقيدة و الشخصيات الدينية و الإيمان بتناسخ الأرواح و النظام الطبقي و الطقوس الدينية من صوم و تقديم النذور و التكايا و الإحتفاظ بالشارب و غيرها. لذلك فأن المصادر الرصينة تذكر بأن الديانة العلوية هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. عند المقارنة بين العقيدة الإسلامية و العلوية، نرى أنّه ليس هناك أيّ رابط يربط بين هذين الدينَين، حيث لا وجود للأركان الخمسة للدين الإسلامي عند العلويين. عليه فأن الدين العلوي هو دين كوردي قديم و أن قسماً من معتنقي هذا الدين من غير الكورد، هم كورد مستتركون أو مستعربون أو مستفرسون، بينما القسم الآخر ينتمون لقوميات أخرى، غير القومية الكوردية وقد إعتنقوا هذا الدين الكوردي و جعلوه ديناً لهم.
هكذا نرى أن الكثير من صفحات تاريخ منطقة الشرق الأوسط مكتوبة من قِبل الحُكّام وللحُكام ومن قِبل أناس عنصريين وطائفيين وشموليين ومنحازين. كما أن “دراسات” الكثير من الغربيين هي “دراسات” خاطئة أو محرّفة بسبب كون حكومات دول منطقة الشرق الأوسط هي مرجعيات ومصادر هذه الدراسات سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة وبسبب جهل هؤلاء المؤرخين للغات وثقافات وتراث وخلفيات شعوب المنطقة. لذلك يجب إعادة النظر في تاريخ هذه المنطقة في مختلف المجالات من خلال إجراء دراسات وأبحاث علمية رصينة، حيث أن العولمة وثورة المعلومات والتغيّرات السياسية الكبرى التي حصلت وتحصل في المنطقة، فتحت آفاقاً واسعة للإكتشافات الأثرية وتوفّر فرصاً ممتازة للمؤرخين والباحثين لإعادة النظر في تاريخ المنطقة خدمةً للحقيقة ولإنصاف الأمم والشعوب والقوميات والأديان والطوائف والشرائح الإجتماعية التي تعرض تاريخها للإلغاء أو التزوير والتحريف والتشويه وكشف التاريخ المزوّر والمُحرّف. العولمة وثورة المعلومات وسرعة نقلها، تتيح للباحثين إكتشاف جوانب مجهولة من التاريخ وتصحيح الكثير من الجوانب التاريخية التي تم زيفها وتحريفها أو تمت دراستها بشكل خاطئ أو ناقص. لذلك يجب العمل بكل حيادية وموضوعية وبِمهنية لتقديم أبحاث ودراسات علمية وأكاديمية للتوصل الى الحقائق التاريخية وإنقاذ تاريخ منطقة الشرق الأوسط من التزوير والتحريف والتشويه والبتر.

عن piv

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*