على طريقة الحكواتي ( حكاية الحاج علي ) ….قصة بقلم :فرمان صالح بونجق

الموضوع في 'واحة الأدب والفنون - Literature' بواسطة kobani team, بتاريخ ‏27/10/08.

  1. kobani team

    kobani team KobanisatTeam

    إنضم إلينا في:
    ‏11/4/08
    المشاركات:
    16,147
    الإعجابات المتلقاة:
    33
    على طريقة الحكواتي ( حكاية الحاج علي ) ….قصة بقلم :فرمان صالح بونجق

    [​IMG]

    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
    [FONT=times new roman,times]سألني الحاج علي ، وكانت آخر سنةٍ من عقده السابع تداهم ملامحه الوقورة ، فبدا لي سؤاله للوهلة الأولى مزاحاً ، ولكنه لم يكن كذلك قط ، فقد كان يعلم بأنني أمضيتُ سنواتي الثماني عشرة بعيداً عن وطني وأهلي وأصدقائي وأحبّتي ، وجذب أطراف الحديث بسؤاله القائل : أما علمتَ بعد ُ، لِمَ يصرخ الطفلُ باكياً وهو يخرج من أحشاء أمه ؟. [/FONT]
    [FONT=times new roman,times]التقطتُ أنفاسي إثر وقع السؤال عليَّ ، لا لشيء ، وإنما لإدراكي بما تحمل أسئلته من بواطن تفوق الظواهر ، فاعتقدت بأن الطفل يعلن عن قدومه بهذه الصرخةِ البكاءّةِ ، ثم رجَّحتُ سبباً آخر مفاده ، أن بكاء الطفل احتجاج على سحبه من رأسه دون قدميه . لحظة الولادة ، فضحك الرجل حتى بان سقف حلقه ، وأخذه الإعياء ، وضحكتُ معه أيضاً ، وما أن سكَتَ ، حتى بدأت الابتسامة ترتسم على شفتيه ببطء ، ولا شيء يقتلني أكثر من تلك الابتسامة المطاطة ، التي تنبئ عن خطئي ، أو ربما جهلي أحياناً ، وما أكثرها من أحايين . [/FONT]
    [FONT=times new roman,times]فمددتُ له لفافة تبغ ، استباقاً لما سيحدث ، ودأبتُ على فعل ذلك مُذ تعرفت عليه ، وكان تصرفي هذا يلاقي استحساناً وقبولاً لديه ، فانتفتْ من رأسي فكرة أنني أتمادى ، حتى أصبح سلوكي هذا أحد طقوس جلساتنا المتكررة ، وبلغ بي الأمر مبلغاً ، أنني أنسيته أن يُخرج علبة سجائره من جيبه . وإن حاول ذات مرة أن يفعلها ، أقسمتُ بصوت مرتفع : لا والله من عندي ... وأضعها بين سبابته ووسطاه ، وكعادتنا نضحك .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]قال وهو يزفر الدخان : يعيش الطفل في رحم أمه بحريةٍ وراحةٍ وأمانٍ ، فهو يخلد للنوم لحظة شعوره بالنعاس ، دون أن يأمره آمر ، ويستيقظ منه دون أن ينهره ناهر ، وسريره في ذلك سائل ناعم رطب ، لا تلفحه حرارة صيف ، ولا برد شتاء ، توفّر له بيئته أفضل نماذج التكييف الآلي ، التي لم يتوصل إليها أي علم من علوم هذه الأرض ، وهو إن جاع ، لا ينادي أحداً ـ كما يفعل بعضنا ـ كي يقدموا له وجبة طعامه ، هذا إذا كان ميسور الحال ، ولا يتوسل أحداً أيضاً ـ كما يفعل بعضنا ـ لالتماس ما يسكت جوعه ، هذا إذا كان من المغضوب عليهم ، أو من المتسولين ، وهو يأخذ حاجته من الهواء النقي ، دون أن يكلف نفسه عناء الاستنشاق ، فينساب الأوكسجين إلى خلايا جسده وهو في استرخاء مطلق .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]يحيا الطفل في أحشاء أمه في بذخ لا يشبهه أي بذخ ، وهولا يحتاج أن يرتدي حذاءً أو ثوباً أو ربطة عنق ، وهو في الوقت ذاته ، بغنى عن الروائح والعطور والمساحيق ، التي تقرّبه من الناس زيفاً وتملقاً ، أو تبرز لهم مكامن الجمال في شخصيته ، فهو جميلٌ ومحببٌ ومؤنسٌ ومتحررٌ ، وعفويٌ ، وسعيد كلياً إلى درجة الانتشاء .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]هذا الكائن الوديع في مكمنه ، لا يطاله جبروت متجبّر ، ولا يستطيع أعتى ضابط في المخابرات أن يستجوبه أو يحقق معه أو يتهمه ، وليس بمقدور رئيس جلاد الجلادين أن يمسَّ منه شعرة ، وهو بمنأى عن متناول أيدي قضاة ومستشاري المحاكم العسكرية ، أومحاكم أمن الدولة ، ولا يمكن لأحد مهما علا شأنه ، أن يطبق عليه ولو حرفاً واحداً من قوانين الطوارئ أو قوانين الأحكام العرفية ، إنه يعيش في وطنٍ لا يشبه أوطاننا ، ليس لأحد علية سلطة أو سطوة ، ولا فرق إن كان أبوه فلاحاً أو مدرساً أو محافظاً أو وزيراً ، فذلك الوطن يتمتع بقوانين لا تفرق بين أبيض أو أسود ، ولا تميز بين ذكر أو أنثى ، وهي لا تُعلي شأن أحدٍ على حساب أحد .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]هذا الطفل الذي يحتفل ذووه بقدومه ، يبكي ويبكي ويبكي صارخاً رافساً بكلتا يديه وكلتا قدميه ، احتجاجاً على انتزاعه من وطنه ، واستبداله بوطنٍ آخر لا يشبه ذلك الوطن . وعندما يبكي الطفل بعد ولادته لسبب أو لآخر ، وتضمه أمه بقوةٍ إلى صدرها ، ويتحسس رائحتها وحنانها ، يتوقف الطفل عن البكاء ، ثم يبتسم ، ظناً منه أنها ستعيده إلى رحمها .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]مدَّ الحاج علي يده إلى علبة سجائره ، لم أقسمْ هذه المرة ، تركته على سجيته ، فأخرج منها اثنتين ، وبعد أن أوقدنا جمرتيهما ، بادرني متسائلاً : ألم تصرخ باكياً عندما انتُزِعتَ من وطنك ؟.[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]فأجبته : أيةُ انتزاعةٍ تقصد ؟. تلك التي كنتُ فيها طفلاً ، أم تلك التي كنتُ فيها شاباً ؟.[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]ابتسم الرجل .. ولكن ابتسامته لم تكن مطاطيةً هذه المرة ، كانت هادئةً وسخيةً وشفافةً ، ظلَّ يحدّقُ في عينيّ ، ولم يتفوه بهمسة .[/FONT]
    [FONT=times new roman,times]رحم الله الحاج علي ، الذي أتمَّ السادسة والثمانين ، والذي توفاه الله ليلة أمس . [/FONT]
    [FONT=times new roman,times] [/FONT]
     

    تعليقات فيس بوبك

  2. كلبهار

    كلبهار مراقبة عامة

    إنضم إلينا في:
    ‏14/9/11
    المشاركات:
    24,950
    الإعجابات المتلقاة:
    5
    الإقامة:
    كردستان
    هور يانعه في بساتين المنتدى نجني ثمارها من خلال الطرح الرائع لمواضيع اروع
    وجمالية لا يضاهيها سوى هذا النثر البهي
    فمع نشيد الطيور
    وتباشير فجر كل يوم
    وتغريد كل عصفور
    وتفتح الزهور
    اشكرك من عميق القلب على هذا الطرح الجميل
    بانتظار المزيد من الجمال والمواضيع الرائعه
     

مشاركة هذه الصفحة

  1. هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز ). من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
    إستبعاد الملاحظة